أبي نعيم الأصبهاني

55

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

يقول الجنة حبيبة المؤمن يبيعها منه بالبغيضة - يعنى الدنيا - قال وسمعت يحيى يقول ربما رأيت أحدهم يقول : عشرين سنة أطلب ربى ، ويحك ربك لا تجبره على تضييع نفسك أبدا ، اطلب نفسك حتى تجدها فإذا وجدتها فقد وجدت ربك . قال وسمعت يحيى يقول : وا عجبا كل من جاءني بكبة وقد ضاع رأسه طلبتها في ساعة فدفعتها إليه ، ورأس الكبة من غزلي قد ضاع منذ عشرين سنة وأنا في طلبه فلا أقدر عليه . وسمعته يقول : الدنيا لا تعدل عند اللّه جناح بعوضة وهو لا يسألك منها جناح بعوضه » . * أخبر محمد بن أحمد البغدادي أبو بكر - في كتابه - وحدثني عنه عثمان ابن محمد العثماني ثنا عبد اللّه بن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول : أيها المريدون طريق الآخرة والصدق ، والطالبون أسباب العبادة والزهد اعلموا أنه من لم يحسن عقله لم يحسن تعبد ربه ، ومن لم يعرف آفة العمل لم يحسن يحترز منه ، ومن لم تصح عنايته في طلب الشيء لم ينتفع به إذا وجده ، واعلموا أنكم خلقتم لأمر عظيم وخطر جسيم ، وأن العلم لم يرد ليعلم إنما أريد ليعلم ويعمل به لأن الثواب على العمل بالعلم يقع لا على العلم ، ألا ترى أن العلم إذا لم يعمل به عاد وبالا وحجة وانظروا ألا تكونوا معشر المريدين ممن قد تركوا لذة الدنيا ونعيمها ثم لا يصدق طلبكم الآخرة فلا دنيا ولا آخرة ، وفكروا فيما تطلبون فأن من لم يعرف خطر ما يطلب لم يسهل عليه الجهل في جنب طلبه واعلموا أنه من لم يهن عليه الخلق لم يعظم عليه الرب ومن لم يكن طلبه في طريق الرغبة والرهبة والشوق والمحبة كان متحيرا في طلبه مخلطا في عمله لا يجد لذة العبادة ولا يقطع طريق الزهادة ، فاتقوا اللّه الذي إليه معادكم وانظروا ألا تكونوا ممن يعرفهم جيرانهم واخوانهم بالخير والإرادة والزهادة والعبادة وحالكم عند اللّه على خلاف ذلك ، فأن اللّه إنما يجزيكم على ما يعرف منكم لا على ما يعرفه الناس ، ولا تكونوا ممن يولع بصلاح الظاهر الذي إنما هو للخلق ولا ثواب له بل عليه العقاب ، ويدع الباطن الذي هو للّه وله الثواب ولا عقاب عليه .